أشعار وقصائد

" شرفة من أحجيات القلب "

للمبدعة وليدة عنتابي

قراءة في ” شرفة من أحجيات القلب ” للمبدعة وليدة عنتابي

سامر خالد منصور

" شرفة من أحجيات القلب "

” شرفة من أحجيات القلب ”

مقالات ذات صلة

عادةً ” الاغتراب الوجودي ” أو القلق الوجودي والبحث عن أجوبة للأسئلة الكبرى و تلمس آفاق معاني الوجود من كينونة إلى صيرورة والبحث بين ضفتي العدمية والغائية ، لا نجده في دواوين الشاعرات وإن وجدناه يكون على سبيل التهويم والهَجس الذي يُعبّر عن غياب الحبيب أو عن ” الحبيب المُنتظر “. بينما لفتني ما ذهبت إليه الشاعرة السورية وليدة محمد عنتابي في مجموعتها الشعرية ” في شرفة من أحجيات القلب ” لكونها ذهبت أبعد مما سبق ذكره فبرغم حضور الحبيب ضمن مُعادلة البحث عن معنى الحياة إلا أنها لم تقصر المعنى عليه أو على الحُب وظلت تناقشُ مفاهيماً كالزمان والمكان و الذات والـ ” نحن ” وتثمير الحياة من جهة ، والعبث و الشذوذ المُجتمعي بفعل النَزع الأيديولوجي الذي يشوش البصيرة.. إلخ . وللطرح الجدلي الممزوج برهافة الأنثى الفياضة نكهة خاصة ، حيث نجد مفردات مثل ” دمع ، وجع ، زهر ، روحي ، عقيق ” تتمازج مع مفردات مثل ” سماء ، تجلّي ، مدى ، مدارات ، بحر ، فضاء ، كون ، أزمنة.. إلخ ” في التراكيب ذات المجاز والإشارات الدلالية وهذا يندرج في باب ” التوليد ” للصورة الشعرية والدلالة معاً مما يُثمِّرُ عملية ” التخييل ” على نحوٍ إبداعيٍّ مُميز.

مما جاء في قصيدة ” عودٌ على بدء ” :

مازال يغويني السراب

كي أبتدئ من حيثُ يُنهيني اغتراب

مازال يُنجبني الزمان

مازال يخدعني المكان

فأخاتلُ الصفر المُحايد

في معادلة الرِّهان وأعودُ من أقصى الرحيلِ

ومما جاء في قصيدة ” أكون القصيدة أو لا أكون ” نقتطف:

ومن زهر جمري هذا العقيق

فمن عِتقِ روحي هذا السُرى

لأنَّ النبيذَ المُغني ارتحالٌ

يُعربدُ في الضفة المائدة

سألقي المفاتيح للقاع حتى الدوار

يكوّرُ أصدافه الواعدة

لأني المدى.. سأمتدُّ حتى يضيقَ المكان

وتتسع البرهة السيّدة

فلا برزخٌ بيننا يا تُراب

يزوبعُ خيباته المؤدة

فمن نهدِ كلِّ احتمالٍ ترعرع هذا الإياب

ليشهد أسراره الخافيات

ويمطرَ أجواءهُ الصادية

لأني المدى…

أكون القصيدة أو لا أكون

ورصداً من السحر لا يستبين

يؤوله الصمّت والبحر بماء السّماءِ

ونار النجوم وهمس الجنون

فيختلفون.. ويختلفون.

إن ما شهدته المنطقة العربية من كثرة النزاعات وسفك الدماء انعكس على المجتمعات العربية بكافة شرائحها وعلى المرأة خصوصاً ، فكيف لا تكون المرأة العربية على وجه الخصوص مأزومةً متألمة وهي النصف الأكثر رهافة والنصف المستضعف من المجتمع مع كلِّ أسف. وبرغم أن للشجن نصيباً من هذه المجموعة الشعرية إلا أن ” المرأة العربية ” أبت إلا ان تُطلَّ علينا من بين سطور القصائد بحضورٍ فيّاض يُعبر عن إرادة الحياة ، وبحنجرة مترعة بالتحدي ترفض التهميش.

جاءك الصّحوُ المُعنّى أيها اليخضورُ

في عُرسِ النبات

رفرفَ الشّعرُ على موتي المؤجل.

هبَّ بعثي من خوابي الظلِّ هَلّل .

في دمي الآتي سرى النسغُ المُحلّى

عبَّ سرّاً وتعلل

دحرجت صحوي طيورُ الحُلمِ

من أقصى الغياب

( وحتى قولها: )

يا ابنة الرعد تشظّي

فوق أعتاب الرّياح

واهطلي من كوّة الغيبِ رؤىً

وتماهي في خلايا النور حَرفاً

بلسمي بؤس الجراح

إن ما يشفي الصُّداح

***************

ومن قصيدة ” امرأة من أقصى الرماد ” نقتطف :

إيزيسُ يا ستَّ البنات

مُدي الجدائل فوق صحراء القصيد

اسّاقطي رطباً جنيّاً ، فالنخيلُ اليوم

يطرحُ فوقنا الأحجارَ

ماعادَ النخيلُ نخيلنا ،

ما عادَ يُجدينا السُّبات…

وحتى قولها:

عنقاء يا جمر السريرة رفرفي

ذري الرماد تجددي

وتجاوزي فينا اليباب

وخرائب الأعصاب وسُعار الحواس

لصهيل صيفك فاح تفاح الغواية

في الفراديس التي افترشت سماء الحُلم

والظلُّ احتراس

مريم ، إيزيس ، حتى العنقاء كانت أنثى ، كما نجدُ الأُم والشابة العاشقة والسيدة المثقفة وابنة الأرياف الطيبة النقية ، ومن اللافت فيما تطرقت إليه الشاعرة وليدة عنتابي في مجموعتها الشعرية هذه ، مشاعرها تجاه هذا العصر المادي الرافع لقيمة ” الشيء ” ، المُهمل المُتغافل عن القيم الإنسانية .

ومما يصعب توقعه في مجموعة شعرية لشاعرة ، احتواؤها على قصيدةً بعنوان ” سيد البصيرة ” مُهداة إلى روح الشاعر الفيلسوف ” أبي علاء المعري ” كما وصفته الشاعرة ، حيث اعتدنا رثاء المرأة لذويها وما شابه ، ولم نعتد رثاءها لأصحاب الميول الفلسفية .

بينت الشاعرة عنتابي في قصيدتها تلك مقدار ألمها لتحطيم إحدى الجماعات المُسلحة المتشددة لنصبه التذكاري:

وقتٌ تفلَّتَ من عقالهِ

وقتٌ يؤاكلُ في غياب الزادِ

غثّاً من خبالِهْ

وقتٌ يُجنِّدُهُ الخرابُ

إلى زوالهِ

هل كنتَ تعلم أيها المحبوسُ

طوعاً في حبالِهْ

هل كنتَ تدري ذات هولٍ

أنَّ ما في الكون محمولٌ

على كفِّ احتمالِهْ

وحتى قولها:

في زحمةِ الأصواتِ ينشزُ

عمرُكَ المهدور في عصفِ النُباحْ

يا أيها العقل الذي وسع المدى

في اللانهاية من مداهْ

ما ضرَّكَ اليومَ احتشادٌ

فوقَ نُصبِكَ حين فجّره الظّلامْ.

ائتلفت الصور الشعرية في مشهديات وومضات مشهدية تنم عن خيالٍ واسع ، نسجت من خلالها الشاعرة عالماً موازياً سحريّاً ضمنته أحاسيسها ومشاعرها وهواجسها وأسئلة كبرى، ومثال تلك المشهديات :

– ” ونهلَ من أقصى الغيابِ قصيدةً رفلت بأجراسِ الوعود. ”

– ” الجاثي على سجادة صمتي “.

ساهم تكرار أشكال مختلفة من الحركة في أكثر من قصيدة بتحفير خيال المُتلقي على رسم مشاهد متنوعة ( انثال ، هطل ، يُداورُ ). كما نلحظ وجود نحت في اللغة واشتقاقات في بعض المواضع.

– ” طارت الجدرانُ حولي نورست كلَّ اتجاه “.

النورس رمزٌ للأمل وللانعتاق والحرية فهو ليس رهين الأرض والسماء ككثيرٍ من الطيور ، بل يعيش بين كل مكونات عالمنا الكبرى المختلفة من يابسة وبحر وسماء فهو يطير ويُجيد العوم والغوص أيضاً . و الجهات المُنورسة كلها جهات انعتاقٍ وحرية وأن تطير الجدران فجأة لتكون هي من يُنورِس الجهات وكأنها استحالة فجأة أجنحة خفيفة.. إن لهذا المشهد دلالة نفسية ، إنه النزع العظيم إلى الحرية والانطلاق لدى الشاعرة ، ولا يمكن توليد مثل تلك المشهديات الفريدة إلا من حالة أصيلة انتابت الشاعرة ، ومن هنا يأتينا الشعراء بالجديد الفريد الذي يُبقي فن الشعر في ألقه واتقاده. ومن المشهديات المميزة نقتطف من قصيدة ” إنما يشفي الصُداح ” :

أيها الأفقُ المُغطى بالأسى ،

مُطفئاً كلَّ النجوم ..

والمدى الأعمى ذهول

واللهيبُ الشيخُ يكبو

في مجاليه الرؤوم..

قد نعجب من كون اللهيب شيخاً ، وقد نتساءل هل هذا الوصف يعني أنه يوشك على الموت ؟ وبالتالي هو وصفٌ يبعث على الأمل ، أم أن هذا الوصف يبعث على بالغ الأسى ؟ فلو لم يكن ذاك اللهيب أتى على كلِّ شيءٍ حوله لما شاخ وهنا تأتي التتمة لتُعزز الصورة السوداوية وتكشف أن المأساة أعمق حين نكتشف أن لذلك اللهيب الشيخ ما هو أكبر منه يحفظه ، ما يشبه الأم ربما ، لهُ ” مَجالٍ رؤوم ” .

يبدو جلّياً في المجموعة الشعرية ” في شرفة من أحجيات القلب ” تأثر الشاعرة عنتابي بما يُسمى “الشعر الصوفي” من جهة والموروث الأسطوري من جهة أخرى ، حيث تأخذنا إلى أجواء أشبه بتلك الأسطورية التي كانت تزخر بها الملاحم الشعرية القديمة ، فنجد البُعد الميتافيزيقي للعلاقة بين الحبيبة ومحبوبها حاضر بكثافة في هذه المجموعة الشعرية.

ها نحن في شرخ المسافةِ

نمتطي الباقي من الصحو المفارق

في سماوات الشجن.

متوازيان على امتداد لهيبنا القدسي

نقطرُ من ثقوبكَ يا زمن

تمتصنا الأنواءُ نسري في

متاهات الغوايةِ أنجما

ما الوجدُ ما وجعُ الرؤى

ما الحزنُ ما الرّشدُ ؟

ارحمينا يا سما

ونهلُّ من أقصى الغيابِ قصيدةً

رفلت بأجراسِ الوعود

هي و الرؤى كلُّ الذي يبقى لنا بعد الوجود

– لفتني أيضاً أن الأشياء المُحببة للأنثى حاضرة في المجموعة الشعرية ولكن ليس في سياقات التباهي والاستعراض كما هو الحال في عديدٍ من المجموعات الشعرية التي تخطها الشاعرات في هذه الأيام ، بل حضرت تلك الأشياء لخدمة السياق الدلالي حيناً ولتكرِّسَ عبر صورٍ شعرية مبتكرة الأنثى كمعنى ، كرمزٍ للعطاء و رموزٍ لقيم إنسانية أخرى سامية . ( زُمرّد ، ياقوت ، عطر ، مرآة ، لؤلؤ ، ستائر ، حرير ، كُحل ..إلخ)

– ومن المسائل اللافتة أيضاً في تجليات ” المرأة ” في ديوان وليدة محمد عنتابي:

– لم تطغَ شخصية المرأة العاشقة الولهانة على الجانب التأملي والتوق المعرفي لدى الأنثى أي أننا أمام شخصية تجسد المرأة المفكرة المتبصرة والمرهفة في آنٍ معاً و هذه المسائل تساهم في ضلوعها بدور اجتماعي عصي على التهميش.

” تأتي مريم من سرير الرّملِ

ضوءاً يغسل الرّمد المُعسكرَ في القلوبْ

سيفاً من البرق الطّهور مُدحرجاً جُثث الكلام ” .

فالأثنى في مجموعتها الشعرية هي رمزٌ للصيرورات السامية لدى الجنس البشري.

– كبرياء المرأة العربية وشخصيتها القوية الذي تجلى في معظم أبيات المجموعة الشعرية .

– الابتعاد عن الذاتية لصالح ما يُعرف بـ : ” الأنا الجمعي ” وهذا يَدلُّ على شدة انتمائها إلى الشعب ، ونلحظ ملامح المونولوج في أسلوبها مما يفيد بكونها متماهية مع شعبها ، وكثيراً ما تكتب أيضاً بصيغة الجمع ، مما يعجل قصائدها تنمُّ عن سمات ما يُعرف بـ ” المثقف العضوي ” .

مما جاء في قصيدة ” دوار المكان ” نقتطف :

و كان المكان يدور الهوينى ..

وينثر زهر الدوار علينا..

يُعرِّشُ فوق السحاب الهديل

ويومضُ في خاطر الحقلِ طقسُ الهطول

دوارٌ.. دوار

فلا سطح يطفو على الناصية

ولا القاعُ يبلغُ فينا القرار

ويدركُ أبعاده القاصية

فيا ومضةً خاطفة

تمرُّ علينا مرور الزلازل والرّاجفات

لنشهد آثارها الرّاعفة

تبعثرُ فينا رُكام السُبات

لنوغلَ في الجنّة الوارفة

هناك كثير من المسائل الأخرى التي يمكن التطرق لها حين الحديث عن القصائد ، مرتبطة بالإيقاع وسوى ذلك مما يتم تناوله عادة في القراءات النقدية النمطية لكنني أفضل عدم التطرق إلى تلك المسائل كي تستحوذ المحاور السابقة على كامل تركيز المُتلقي لأهميتها من حيث ارتباطها بشخصية المرأة العربية وكيفية تفاعلها مع المآسي التي حلّت على كثيرٍ من البلدان العربية مؤخراً .

**************

ويُذكر بأن المجموعة الشعرية ” في شرفة من أحجيات القلب ” من شعر ” التفعيلة ” وقد ضمت قصائد كتبت في فترات زمنية مختلفة ، وصدرت دار العراب للطباعة والنشر والتوزيع وهي تقع في 129 صفحة من القطع المتوسط .‏

صدر للشاعرة وليدة محمد عنتابي أيضاً :

مجموعة شعرية بعنوان ” أسرار ” في العام 2000 .

مجموعة شعرية بعنوان ” من زهر وجدي جنتك ” في العام 2014.‏

– تمت –

 

تابعنا على جوجل نيوز

قم بمتابعة موقعنا على جوجل نيوز للحصول على اخر الاخبار والمشاركات والتحديثات .. متابعة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
رجوع
واتس اب
تيليجرام
ماسنجر
فايبر
اتصل الآن
آخر الأخبار

أنت تستخدم إضافة Adblock

يجب عليك ايقافها لكي يظهر لك المحتوي