أدب

السعي في الأرض بالصلاح

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا، أحمده سبحانه على كل فضل وأشكره على كل نعمة، وأتوب إليه وأستغفره إعلانا وسرا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له أحاط بكل شيء خبرا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله أعلى الناس منزلة وقدرا، وأوصلهم رحما وبرا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد إنه عندما سئلت والدة الصحابي الجليل أبو الدرداء رضي الله عنهما،عن أفضل ما كان يحب ابنها أبو الدرداء من العبادة، أجابت هو التفكر والاعتبار، وكان أبو الدرداء كثير الاعتبار، وينظر في أحوال الأمم السابقة ليأخذ منها العبرة والعظة، وينسب إليه مقوله تفكر ساعة خير من عبادة ليلة، وكان أبو الدرداء يأخذ من كل حدث ومشاهدة مادة لعبرة جديدة.

فعندما فتحت قبرص سنة ثماني وعشرين من الهجرة، وحُملت الغنائم الى المدينة المنورة، رآها فبكي، فقال له جبير بن نفير متعجبا يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الاسلام وأهله ؟ فأجابه أبوالدرداء “ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله اذا هم تركوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، لها الملك، تركت أمر الله، فصارت إلى ما ترى” وعندما أصبح أبو الدرداء واليا للقضاء في الشام خطب في الناس يوما فقال ” يا أهل الشام أنتم الاخوان في الدين، والجيران في الدار، والأنصار على الأعداء، ولكن مالي أراكم لا تستحيون؟ تجمعون مالا تأكلون، وتبنون مالا تسكنون، وترجون مالا تبلغون، قد كانت القرون من قبلكم يجمعون فيوعون، ويؤملون فيطيلون، ويبنون فيوثقون، فأصبح جمعهم بورا، وأملهم غرورا، وبيوتهم قبورا،

أولئك قوم عاد، ملئوا ما بين عدن الى عمان أموالا وأولادا” ثم ابتسم بسخرية وقال ” من يشتري مني تركة آل عاد بدرهمين؟ وهكذا فإن صلاح الظاهر يقوم على أمرين رئيسين، هما حسن الخلق، وهو يشمل كل خلق حسن، وأثر محمود، في تعامله مع كل من حوله من الناس، أو حتى من الحيوان، وأيضا صلاح العمل وهو السعي في الأرض بالصلاح والإصلاح، وأداء الحق الظاهر لله ولعباده، والأمر بالمعروف وتكثيره، والنهي عن المنكر وتقليله، فيدخل في ذلك جميع العبادات الظاهرة، والأعمال الصالحة، والتصرفات المشروعة، والأفعال المحمودة، وصلاح الباطن يكون بصفاء القلب ونقائه، ونظافته وطهارته من كل ما يعيب في النية أو الاعتقاد، أو فيما يبطنه الإنسان من سريرة، أو يكون في قلبه من مرض أو حسد أو ضغن.

وإن الإنسان ليس في حاجة إلى أن يكون غنيا أو ناجحا، أو ذا نفوذ لكي يُعامل باحترام فديننا وإسلامنا وعقيدتنا وقيمنا كلها تدعو لاحترام الذات، ولقد اقتنعت أكثر من أي وقت مضى بحقيقة أن السيف لم يكن هو من فاز بالمكانة للاسلام في تلك الأيام، بل كانت البساطة والاحترام الدقيق للعهود، وإن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا النبي الذي وضع دينه دائما موضع الاحترام والإجلال فإنه أقوى دين خالد خلود الأبد، فإن لدينا مشكلات كثيرة عالقة لا تحل إلا عن طريق الاعتذار والاحترام المتبادل، وإن من طبيعة الأشخاص المحترمين أنهم يمنحون الاحترام لمن يستحقه ولمن لا يستحقه، فالإنسان بأخلاقه وصفاته وتعامله مع الآخرين يفرض على من يقابله أن يحترمه ويوقره، فعلينا التحلي بأعظم الصفات ونقابل الإساءة بالإحسان.

وأن نسامح من أخطأ ولا نهينه، وإن اللهجة المهذبة المخيفة أحيانا يكون التهذيب مرعبا أو يسبب التوتر أكثر من قلة الأدب بمراحل، فقيل أنه في بريطانيا أيام الإعدام القديمة، كانوا يرسلون إلى السجين رسالة تقول تقرر إعدامكم مع فائق الاحترام، لا يا سيدي، اشتمني واتركني حيا،لا أريد تهذيبك هذا، وإن قيم ديننا الإسلام تحرص على مراعاة المشاعر، وهي مشاعر القريب ومشاعر البعيد، مشاعر المسلم ومشاعر غير المسلم، مشاعر الطائع ومشاعر العاصي، حتى مشاعر الحيوان حث الشرع على الاهتمام بها وعلى عدم أذيتها إطلاقا كل هذا ينبئ أن الإسلام يحمل للناس المشاعر الحسنة، ولهذا يقول الله تعالى فى سورة الإسراء ” وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا” .

تابعنا على جوجل نيوز

قم بمتابعة موقعنا على جوجل نيوز للحصول على اخر الاخبار والمشاركات والتحديثات .. متابعة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
رجوع
واتس اب
تيليجرام
ماسنجر
فايبر
اتصل الآن
آخر الأخبار