دنيا ودين

من قصة الاسراء والمعراج

من قصة الاسراء والمعراجمن قصة الاسراء والمعراج
محمود سعيد برغش .
لقد أسري بالنبي المصطفى والحبيب المجتبى ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، وعرج به من بيت المقدس إلى سدرة المنتهى، إلى العرش، ونحن نسمي هذا مجازًا بالمعجزة، المعجزة سميت كذلك في لغة العرب؛ لأنها تعجز من رآها خارقة من خوارق العادات، تخرج عن سنن الله الكونية، لا يقدر من أمامي أن يأتي بها، مع ادعاء صاحبها النبوة والرسالة وتلقي الوحي من عند رب العالمين؛ ولكن #الإسراء_والمعراج لم يشهدها أحد؛ ولذلك فهى فوق المعجزة، ولذلك فليس الغرض منها أن يعجز الناس، لأن الناس لم ترى، إنما الغرض منها أن يؤسس لعقيدة،
ما هذه العقيدة التي يؤسسها الإسراء والمعراج؟
القوانين التي خلق الله عليها الكون منضبطة فهو الحكيم، وخارقة العادة مثل ماء ينبع من بين أصابع النبي، أو عصا تضرب البحر فينفلق فرقين كل فرق كالطود العظيم كما حدث لموسى، أو يلقي العصا فتتحول إلى ثعبان يأكل ويوقف ما يأفكون، أو يد تدخل في جيبه فتخرج بيضاء للناظرين، أو نحو ذلك من خوارق العادات المرئية ،فإنها ما زالت بالرغم من خرقها للعادة إلا أنها لم تخرق القانون الكلي للكون، ولكن الإسراء والمعراج خرق القانون الكلي لهذا الكون، كيف يسرى به؟ {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، ثم يعرج به إلى سدرة المنتهى، ثم يعود وفراشه دافئ، فما هذا؟ هذا معناه أنه صار بسرعة أكبر بكثير جدًّا من سرعة الضوء، وليس هناك في هذا الكون ما هو أسرع من الضوء، بل ولا يكون في قوانين هذا الكون ، فكيف حدث هذا؟ إنه حدث بأصل الخلقة، خلق الله محمدًا هنا، ثم أراده أن يكون في السماء الأولى هنا فكان، ثم أراد أن يكون في سدرة المنتهى فكان، فأدخل الموسع في المضيق دون أن يتسع المضيق ولا يضيق الموسع، وهذا ليس من شأن كوننا.
إذن، الإسراء والمعراج تقول لك: إن الله على كل شيء قدير، والإسراء والمعراج تنفي حتمية السببية التي نفاها بعد ذلك بعض الفلاسفة؛ ولكن المسلم يعلم أن السبب بخلق الله، ولكن صاحب العقيدة الصافية عقيدة أهل السنة والجماعة يعلم أن السبب لا يؤثر لا بذاته ولا بطريقة لا يتخلف فيها؛ بل إنه يؤثر بإذن الله، فالنار تحرق لا بذاتها ولكن بإذن الله، الله يخلق الإحراق عندها إن شاء، وإن شاء جعلها بردًا وسلامًا على إبراهيم، والله سبحانه وتعالى لا ينير الأيدي؛ لأن هذا الجسد كثيف وليس بلطيف؛ لكنه إن شاء أخرج موسى من جيبه يده فإذا هي بيضاء، والله سبحانه وتعالى لا يقلب الأعيان من العصا فتتحول إلى ثعبان؛ لكنه إن شاء فعل ما يشاء، ولا يكون في كونه إلا من أراد؛ ولذلك فتوكل على الله، لا تترك الأسباب، فإن الله خلقها وأرادك فيها، فالفلاح يلقي الحب ثم يدعو يقول: يا رب، فإذا لم يلق الحب لن يخرج الزرع؛ لأنك حينئذ تختبر الله، والله لا يختبر، هو الذي يختبرك ويمتحنك ويجربك، ولذلك لا نترك الأسباب، والتوكل لا يعارض ذلك، «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدو خماصًا -جائعة- وتروح -في آخر النهار- بطانًا -شبعانة يحدث لها الشبع-». قال العلماء أهل الله: ذهبت وجاءت ولو ظلت في أوكارها ما رزقها الله.
إذن، عرف المسلمون من الإسراء والمعراج أن هناك سببًا قد خلق؛ ولكن الاعتماد على الأسباب شرك، وترك الأسباب جهل، فلم يتركوا الأسباب ولما أراد النبي ﷺ الخروج إلى أُحد خالف بين درعين، لبس درعًا من الإمام ودرعًا من الخلف، وهو المعصوم الذي لن يناله أذى من أحد، {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}؛ لكنه يعلمنا ﷺ كيف نتخذ الأسباب في عبادة الله، في عمارة الأرض، في تزكية النفس، في الحياة، كل ذلك درس من دروس الإسراء والمعراج.
الإسراء فوق المعجزة، الإسراء آية من آيات الله العظمى، القصد منها أن يعلمك أيها المسلم كيف تتعامل مع هذه الحياة وليس القصد منها أن يعجز من أمامه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
رجوع
واتس اب
تيليجرام
ماسنجر
فايبر
اتصل الآن
آخر الأخبار

أنت تستخدم إضافة Adblock

يجب عليك ايقافها لكي يظهر لك المحتوي