أدب

منى عبد اللطيف طائر يرفض أن يهبط فوق الأرض

قراءة نقدية بقلم الناقد الأدبي د.عادل يوسف

منى عبد اللطيف طائر يرفض أن يهبط فوق الأرض

قراءة نقدية بقلم الناقد الأدبي د/ عادل يوسف

من يتتبع ثلاثية منى عبد اللطيف الأدبية ( أسطورة الأساطير ، والعنقاء ، والدينونة) يرى أنها كطائر العنقاء يريد أن يقول أشياء كثيرة.

يكتنف الأسلوب الفلسفي بعض كتابتها ، مرة تحدثك بأسلوب المرأة العاشقة ، وأخرى المتألمة ،ومرة الحزينة ، ومرة بأسلوب المرأة الحكيمة .

مقالات ذات صلة

يتدحرج بك أسلوبها الرافض لشيء ما ثم يصعد بك متقطع الأنفاس كامرأة تقية تصعد جبل الأولياء الصالحين تطلب منهم المدد .

أحيانا تجدها طائر مستكين ولكنه في كل الأحوال راغب في الطيران بلا توقف ولا يريد أن يحط فوق الأرض.
تمتلك منى عبد اللطيف تقنية كتابة غير تقليدية تجعل القارئ يلتحم بالأحداث ويشارك الشخصيات في انفعالاتهم ومواقفهم، وينصت لحوارتهم كأنه يعيش معهم ، فتجعل القارئ يلهث وراء الحكاية طوال الرواية ليصل إلى الغاية والهدف في نهاية الرواية.

أولا السرد:

تنوع السرد في رواية الدينونة على النحو التالي:
1-سرد الخيال العلمي:

تميز السرد في رواية الدينونة بتقنية جديدة في عالم الرواية وهي والخيال العلمي، يتضح ذلك في قولها عن سماعة حديثة قد نراها في المستقبل:

” تلك السماعة غير مرئية بحيث أنك بمجرد أن تلحقها بجسدك تلتحم به لا يراها سواك، ولكن ميزة المشروع الأساسية هي أن تلك السماعة لا تكتشفها أجهزة الاستشعار وقد نجح “

وكذلك قول الكاتبة عن كاميرات علمية من نوع جديد:
” كاميرا إيه اللي باظت؟ ! دي مستحيل تبوظ ؛ يا نها ، أنتِ بتهرجي ؟ ولا نسيتِ ولا إيه؟ إحنا الشهر اللي فات غيرنا كاميرات البيت كله للنوع الجديد…
اللي بيستمد فاعيلته من الذكاء الاصطناعي، وخلاياه متجددة تحاكي خلايا البشر لكن أسرع ،ودي مبتعطلش ، الجيل الجديد ده لو فرضًا جزء منه عطل أو خرب خالص يتجدد من تلقاء نفسه ويعيد هيكلته بشكل تلقائي وسريع جدا”

2-السرد الأسطوري:

نجد السرد الأسطوري الذي يذكر لنا أحداثا خارقة للعادة في قول الكاتبة “
ومن أمثلة ذلك قول الكاتبة عن نبات أسطوري غريب :
” لا فائدة تضاهي فائدة تلك النبتة العملاقة القابعة في وسط الغابة، وهي نبتة ذات ساق خضراء سميكة قشرتها تشبه جلود التماسيح، ليس لها أوراق، إنما تخرج من أعلى قمتها زهرة بيضاء عملاقة، رائحتها كالعنبر، تتفتح كل عشرة أعوام، وحين تنفتح يخرج منها سائل أسود رائحته نفاذة، إذا تكحل به الأعمى عاد بصره، وإذا دهن به الرجل ذكره، ثم جامع زوجته، حملت بغلام أسود يعيش سبعة أعوام، ثم يموت ويتحول جسده إلى عقيق أسود”

وكذلك وصفها للعرش الماسي تقول الكاتبة :

” وجد الغريب نفسه في قاعة عريضة تُشبه القاعات الملكية، آخرها عرش ماسي، وقد فوجئ الغريب بالعرش وانبهر به، فالماس انقرض منذ سنوات طويلة، ولم يكن يعتقد أنه سيراه في حياته سوى في الكتب، لكن ها هو أمامه عرش ماسي لامع، فنظر للأرض من تحته وجدها من الجرانيت الفضي، أمَّا الاعمدة فكانت من الرخام الفضي الذي تتخلله بعض الزرقة والمرصع بأحجار الماس والجرانيت، فنظر عاليًا للسقف فوجده قبة عالية بها صور متحركة لكائنات وأشخاص ومعارك دارت في الماضي، امرأة بأجنحة من نار يتغير جسدها لتصير كطائر العنقاء الخرافي، حبيسة في سجن من نور، تتألم بداخله، ونسر أبيض منير، وصواعق تخرج من السماء وكائنات غريبة، وجيوش عجيبة،”
نستنتج مما سبق أن الكاتبة مزجت بين الواقع والأسطورة والخيال العلمي وهذا نوع جديد من السرد الروائي لا يجيده إلا المبدعون الكبار.

منى عبد اللطيف طائر يرفض أن يهبط فوق الأرض

3-السرد الاجتماعي :

وهو السرد الذي له تأثير اجتماعي من وجهة نظر الكاتب كما جاء في قول منى عبد اللطيف :” إذا أردت أن تهدم بيتًا عليك بتفرقة أبنائه، وخلق النزاع بنفوسهم، فيتسلل السوس من بين شقوق غضبهم ونزاعاتهم، فيأكل أعمدة البيت، وينهار فوق رؤوسهم..”

4-السرد الفلسفي:

السرد الفلسفي في رواية الدينونة كان له قيمة كبيرة وهي أنه يساعد على التعمق في الأفكار ، فظهرت لنا أفكار عن الوجود وانعكاسات قرارتنا وأفعالنا في الحياة تقول الكاتبة:
” خدعوك فقالوا إن الأرض يمكن أن تكون كسفينة نوح لا تحمل سوى الصالحين”
ومن خير الأمثلة أيضا على السرد الفلسفي قول الكاتبة :
-هل أنت تقي؟
-هل تعتبر نفسك من الصالحين؟
-أترى نفسك في منأى عما يفعله أمثالنا من الأشقياء ؟

5- السرد الوصفي الدقيق:

تميز السرد الوصفي في ثلاثية منى عبد اللطيف بالبراعة الشديدة في الوصف ومن أمثلة ذلك :

“شهقت حين رأيت تلك المرأة الجالسة بجانبي، ولا أعلم متى جاءت ولا من أين.. كانت تنظر تجاهي باستغراب، ربما لأنني أرتدي ذلك الروب الحريري، ولم أتجرد من كامل ملابسي مثلهم.

نظرت لها وأبعدت جسدي بعض الشيء، ليس تقززًا فقط، بل خوفًا منها، فوجهها دميم وعيناها جاحظتان يشوبهما بعض الاحمرار وأسنانها كبيرة صفراء يشوبها بعض العفن الأخضر، وجسدها ممتلئ، وتظهر من تحت جلدها عروقًا كثيرة، وكأن جلدها شفاف، وشعرها قصير مقطع، أو بمعني أدق ما تبقى من شعرها فغالبية رأسها أصلع، وحين وجدتني أبتعد اقتربت أكثر مني وابتسمت ابتسامة خبيثة “

لقد بين هذا الوصف البارع مدى قبح هذه المرأة وكأنها واقفة أمامك تنظر إليها.

ومن خير الأمثلة قول الكاتبة عن نساء الماجو:
” جماعة من السيدات قيل إنَّ أسلافهن من الماجو «كهنة سحر من الشرق» يمتلكن قدرات خاصة جدًّا، ويرين ما لا يراه أحد من البشر، مهما علت مرتبته الروحانية، جميعهن حليقات الشعر؛ فلا تجد بأجسادهن ولا رؤوسهن شعرة واحدة…
إذا نظرت لأجسادهن العارية تجد أعضاءهن التناسلية مخيطة بخيوط سميكة، أمَّا أثداؤهن فتخرج منها أنياب كأنياب الضواري، متراصة كحلقات سامة يموت من يلمسها في التو والحال، هم فقط مُحصنات منها وذلك لنبذ الشهوات وإبعاد البشر، فتلك الجماعة وهبن أرواحهن وأجسادهن لمسعاهن الأسمى”
وصفت أدق التفاصيل بمهارة شديدة.

6- السرد التخيلي:

يتضح السرد التخيلي الذي يدل على خيال الكاتبة الخصب وامتلاك أدواتها اللغوية في قولها عند الحديث عن جيش الملاعين :
“من اليوم هؤلاء هم خدمك من جنس الملاعين، وهو جنس جديد قادر على الإتيان لك بأي شيء تريده، سرعتهم ليس لها حدود، وعندهم القدرة على تغيير أشكالهم، وسحر العيون والتسلل لداخل العقول، سأتركهم في خدمتك لميعاد آتي إليك فيه”

منى عبد اللطيف طائر يرفض أن يهبط فوق الأرض

ثانيا: لغة الرواية:

جاءت اللغة فصيحة ممتزجة بالحوار العامي؛ لتضفي على الأحداث جوًا من الواقعية ، وأجادت فيها الكاتبة إظهار ثقافة الشخصيات وطبائعهم .
كما استخدمت الكاتبة ألفاظا من الكتاب المقدس مثل:
-الميططرون : وهو ملاك رئيسي في الدين اليهودي.
-الغويم: هو صنف من البشر يتصفون بالحقارة والدونية .
-المشنا : هي الشرائع الشفوية لليهود في التوراة
ومن ذلك قول الكاتبة:
” أمرك أيها الميططرون الأعظم، ولكن هناك شيء قد حدث؛ فأعين الغويم كلها اتجهت ناحيتنا، وأخاف بطش الممالك”
ومما لا شك فيه أن هذه الألفاظ قد منحت القارئ ثقافة دينية عن الدين اليهودي.
كما نلاحظ أن الكاتبة استخدمت ألفاظا ذات دلالات جديدة مثل : نهر الأرواح الفضي ، الإنسان الزوهري .

ثالثا :وسائل التماسك الدرامي في ثلاثية منى عبد اللطيف (أسطورة الأساطير ، العنقاء ، الدينونة)

1-امتداد بعض الشخصيات في أكثر من جزء وعدم اكتمال نمو الشخصية إلا في نهاية الجزء الثالث مما كان بمنزلة الخيط الذي يربط أجزاء الثلاثية بعضها ببعض ومن أمثلة ذلك :
نيمواي :الذي امتدت شخصيته في الأجزاء الثلاثة.
سيفا: ظهرت أيضا في الأجزاء الثلاثة
باطش: ظهر في الجزء الأول ثم اختفى في العنقاء ثم عاود الظهور في الدينونة ليتحدث حربا كبرى مع أخيه جلجان.
2-استخدام العناوين الأسطورية في الأجزاء الثلاثة: أسطورة الأساطير ، العنقاء ، الدينونة.
3-السرد الأسطوري متغلغل في الأجزاء الثلاثة.
4- وجود بعض الكائنات والحيوانات الأسطورية في الأجزاء الثلاثة كالحوت روميس والعرش الماسي وممالك في عالم غابر والأرض السفلى.

منى عبد اللطيف طائر يرفض أن يهبط فوق الأرض

وخلاصة القول إن ثلاثية منى عبد اللطيف (أسطورة الأساطير ، والعنقاء ، والدينونة) تستحق مني ثلاثة أوسمة :

الأول : وسام الأنيس.

لأنها بعيدة تماما عن الملل، غنية بالتشويق وتدفق الأحداث مع التقسيم الذي جعلها منظمة ومرتبة وسهلة وميسورة.

الثاني: وسام خير جليس.

لأنها دلتني على ممالك لم أسمع عنها من قبل مصحوبة بخيال علمي جميل قابل للواقع ، مثل مملكة خومبابا ، وإيسلانيا، وغيرهما…

وكذلك عرفتني عن نوع من البشر لم أتوقع أن أعرف عنه شيئا وهم جماعة من النساء يطلق عليهن ( الماجو) يمتلكن قدرات خاصة جدا ، ويرين ما لا يراه أحد من البشر ، مهما علت مرتبته الروحانية ، جميعهن حليقات الشعر فلا تجد في أجسادهن ولا رؤوسهن شعرة واحدة ، يوشمن رؤوسهن بخط طويل أسود ، مكتوب فوقه حروف دقيقة باللون الأحمر.

الوسام الثالث : وسام تميز السرد.

فقد استطاعت منى عبد اللطيف أن تمزج الحلم بالواقع بحيث لا يستطيع القارئ أن يفرق بينهما وهذا نوع جديد من السرد لا يأتي به إلا كبار المبدعين،

ومن خير الأمثلة على ذلك :

“وصلت لشط بحر هائج تتلاطم أمواجه كالجبال، لتصطدم بذلك الجبل الرصاصي الهائل الذي من ارتفاعه تكاد تظن أنه ممتد للسماء، وكأنه سيف قاطع نبت من العدم ليجابه موج البحر ويجابهه في معركة لا تنتهي”

وأخيرا :

العنقاء منى عبد اللطيف ، تستحق أن نلتفت إلى أعمالها ويرجع ذلك إلى صبرها ومثابرتها ، وإبداعها وثقافتها الكبيرة فاقرؤا أعمالها فهي أديبة متعددة المواهب تستحق الإشادة والتكريم.

منى عبد اللطيف طائر يرفض أن يهبط فوق الأرض

منى عبد اللطيف طائر يرفض أن يهبط فوق الأرض

تابعنا على جوجل نيوز

قم بمتابعة موقعنا على جوجل نيوز للحصول على اخر الاخبار والمشاركات والتحديثات .. متابعة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
رجوع
واتس اب
تيليجرام
ماسنجر
فايبر
اتصل الآن
آخر الأخبار

أنت تستخدم إضافة Adblock

يجب عليك ايقافها لكي يظهر لك المحتوي