مقالات

كنت سمعه الذي يسمع به بقلم / محمـــد الدكـــروري

كنت سمعه الذي يسمع به
بقلم / محمـــد الدكـــروريكنت سمعه الذي يسمع به
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : الخميس الموافق 1 فبراير 2024

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فاللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد لقد جاء في معني قول الحق سبحانه وتعالي في الحديث القدسي” كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به” فقد استشكل كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره، وأنه ورد على سبيل التمثيل، والمعنى كنت سمعه وبصره في إيثاره أمري، فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب هذه الجوارح وقال الفاكهاني هو فيما يظهر لي أنه على حذف مضاف، والتقدير كنت حافظ سمعه الذي يسمع به.

فلا يسمع إلا ما يحل استماعه، وحافظ بصره كذلك، وقال الفاكهاني يحتمل معنى آخر أدق من الذي قبله، وهو أن يكون معنى سمعه مسموعه لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول، مثل فلان أملي بمعنى مأمولي، والمعنى أنه لا يسمع إلا ذكري ولا يلتذ إلا بتلاوة كتابي، ولا يأنس إلا بمناجاتي ولا ينظر إلا في عجائب ملكوتي، ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاي ورجله كذلك، وبمعناه قال ابن هبيرة أيضا، وقال الطوفي اتفق العلماء ممن يعتد بقوله أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده وإعانته حتى كأنه سبحانه ينزل نفسه من عبده منزلة الآلات التي يستعين بها، ولهذا وقع في رواية “فبي يسمع وبي يبصر، وبي يبطش وبي يمشي” وقال الخطابي هذه أمثال، والمعنى توفيق الله لعبده في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء.

وتيسير المحبة له فيها بأن يحفظ جوارحه عليه، ويعصمه عن مواقعة ما يكره الله من الإصغاء إلى اللهو بسمعه، ومن النظر إلى ما نهى الله عنه ببصره، ومن البطش فيما لا يحل له بيده، ومن السعي إلى الباطل برجله، وعبر بقوله أحفظه فلا يتصرف إلا في محابي لأنه إذا أحبه كره له أن يتصرف فيما يكرهه منه، وقال الخطابي أيضا وقد يكون عبر بذلك عن سرعة إجابة الدعاء والنجح في الطلب وذلك أن مساعي الإنسان كلها إنما تكون بهذه الجوارح المذكورة، وقال بعض العلماء وهو منتزع مما تقدم لا يتحرك له جارحة إلا في الله ولله، فهي كلها تعمل بالحق للحق، وروى البيهقي عن أبي عثمان الجيزي قال معناه كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه في الأسماع، وعينه في النظر، ويده في اللمس، ورجله في المشي.

وفي قوله ” وإن سألني لأعطينة ” أي ما سأل، قوله ” ولئن إستعاذني ” ضبطناه بوجهين الأشهر بالنون بعد الذال المعجمة، والثاني بالموحدة والمعنى أعذته مما يخاف، ويستفاد منه أن المراد بالنوافل جميع ما يندب من الأقوال والأفعال، وقال الطوفي هذا الحديث أصل في السلوك إلى الله، والوصول إلى معرفته ومحبته وطريقه، إذ المفترضات الباطنة وهي الإيمان، والظاهرة وهي الإسلام والمركب منهما وهو الإحسان فيهما كما تضمنه حديث جبريل، والإحسان يتضمن مقامات السالكين من الزهد والإخلاص والمراقبة وغيرها، وفي الحديث أن من أتى بما وجب عليه وتقرب بالنوافل لم يرد دعاؤه لوجود هذا الوعد الصادق المؤكد بالقسم، وفيه أن العبد ولو بلغ أعلى الدرجات حتى يكون محبوبا لله لا ينقطع عن الطلب من الله لما فيه من الخضوع له وإظهار العبودية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
رجوع
واتس اب
تيليجرام
ماسنجر
فايبر
اتصل الآن
آخر الأخبار

أنت تستخدم إضافة Adblock

يجب عليك ايقافها لكي يظهر لك المحتوي