أدب

صبر أيوب (قصة قصيرة)

محمد سعد شاهين

صبر أيوب (قصة قصيرة)
تأليف : محمد سعد شاهين

توهجت قطع الخشب المشتعلة التي يحركها الحاج(شناوي)بيده العارية وهو يتهيأ لإعداد كوب شاي صعيدي على الفحم، ثم ابتسم وهز رأسه وهتف بصوت أكله الدخان:
_ دكتور أشرف.
اقترب منه شابا في أوائل العشرينات يرتدى نظارة طبية، وهو يقول في هدوء:
_كيف الحال يا حاج شناوي؟ أراك تعد كوبا من الشاي.
ابتسم الحاج شناوي ليكشف عن أسنان أكلها الدخان وتمتم فى ترحاب:
_سأعد لك كوبا، وسأجعله قاهريا وليس صعيديا لأجلك.
جلس د.أشرف على دكة خشبية، وقال في ملل:
_تلك الوحدة الصحية أمرها غريب، ليس بها معدات طبية أوأطباء أو ممرضات، لا يوجد غيري وبعض أدوات الإسعاف، حتى فرد الأمن ….
صمت في إحراج، فأكمل الحاج شناوي:
_حتى فرد الأمن مجرد عجوز مثلي، لم يمرعليك سوى بضعة أيام وشعرت بالملل!
_أنا من أوائل دفعتي وبالفعل كنت فى مستشفى كبير حتى حدث صدام بيني وبين أحد الأطباء أصحاب النفوذ فتم إرسالي إلى هنا، في قلب الصعيد.
_اصبر، سيأتي الفرج ما دمت على حق ومع الله، وإن طال الوقت يا ولدي سيعوضك الله في الدنيا وفي الآخرة أو في واحدة منهما، وعوض الآخرة أفضل وأبقى، وجودك هنا من الممكن أن يكون رسالة أو لهدف خلقك الله له، هل سمعت عن قصة الحاجة (أم أحمد)؟
ودون أن يجيب د.أشرف تنهد الحاج شناوي وبدأ يحكي وهوينظر في السماء..
****************************
لم تبك الحاجة (أم أحمد) عندما طعنها الخبر فى قلبها، نزف في هدوء، وصبرت واحتسبت.
كان وليدها الوحيد، أتي بعد عشرة أعوام كاملة من الانتظار، احتضنته في قوة وألقمته ثديها،ثم سمعت صوت صراخ تخبرها برحيل زوجها بعد لحظات من ولادتها.
سالت دموعها على صغيرها وخشيت أن يتعكر صفو لبنها، فتمتمت ألف مرة(إنا لله وإنا إليه راجعون).
وهبت حياتها بأكملها لوليدها (أحمد)، كانت تبيع قطع الجبن وبعض الفطائر فى أول قريتها،على امتداد محطة القطار وهى تحتضنه فى قوة وتخفيه عن شرور الدنيا.
كان ينمو أمامها وهى ترعاه فى صبر، ألحقته مدرسة إبتدائية واقتطعت من قوتها لتوفر له كل ما تميل نفسه له.
كان الزمن يقتطع من روحها وعافيتها وهى تقاومه فى استماتة، تدرك أن رسالتها هى (أحمد)، ولن تسمح بأن تخذله أبدا كما خذلها كل من حولها وتركوها مصيدة للزمن مع وليدها، تعلم أنه وحيدها وهو فعلا وحيد بدونها، لن تترك الزمن ينهش فى سهولة جسدها .هكذا قررت.
كانت تراه ينمو كزهرة ترويها من عرقها وروحها، حتى أصبح فى المرحلة الإعدادية، بدأ يساعدها في حمل بضاعتها ويبيع معها وهى تلومه على إهماله لدراسته فقد أحست ميله للحاج (عطا)صاحب دكان العطارة، وقد استهواه ذلك العالم وأصنافه ودروبه وتراكيبه.
كانت توجه عتابها للحاج (عطا)على احتضانه لأحمد في دكانه:
_سيهمل دراسته وسيلازمك يا حاج.أحمد أحب العطارة وبحرها الواسع قد سحبه من دراسته.
كان يضحك في قوة ويقول:
_لا تخشي شيئا سيكون موفقا في حياته إن شاء الله.
ولكن أحمد فعلا التحق بمدرسة الصنائع ولم يلتحق بالثانوية العامة، بكت (أم أحمد) كثيرا، كانت تتمنى أن يحصل على شهادة عليا حتى لو كلفها الأمر مزيدا من الألم.
يوما بعد يوم تدرك ما فعله وحيدها؛ لقد أهمل دراسته واتجه لمحل العطارة ليساعدها ويحمل الهم فوق كتفيه، أهمل دراسته عمدا لينفق على البيت بعد أن رآها وقد انحنى ظهرها وحفرت التجاعيد آثارا فى كل جسدها.
_لقد فعلت ذلك لراحتك يا أمي، كيف ألمحك بتلك الصورة وأقف عاجزا؟
_دراستك كانت مهمة يا ولدي.
_لا يوجد أهم منك يا أمي.
جدال دار بينهما انتهى بحضن دافىء، وبكاء حار، وبالفعل بدأ أحمد يحصل على دخل يكاد يكفي طعامهما ..ومرت الأيام بنمط رتيب بطىء حتى ذلك اليوم..
كانت كالعادة تبيع الفطائرعند محطة القطارثم شعرت بقبضة من حديد تعتصر قلبها وهى ترى هرجا ومرجا وحركة غير طبيعية فى المكان، فأوقفت فتاة صغيرة وسألتها:
_ماذا حدث يا بنيتي؟
_حدث انفجار عند قسم الشرطة و..
لم تسمع بقية الجملة، هرولت في سرعة لا تناسب كهولتها،وهى تردد فى فزع “ولدي..ولدي”.
كان (أحمد) في قسم الشرطة لاستخراج بطاقته الشخصية الأولى، وكان قلبها ينزف مرة أخرى وصدرها يأبى التنفس وهى تتجه صوب الانفجار، حتى لمحته..
الحاج(عطا) يقف منهارا، دموعه تسيل بغزارة ويعض شفتيه فى ألم..
لمحها ،لم يهمس، ولكنها فهمت..
جلست على أقرب رصيف وهى تنظرإلى سيارات الإسعاف وهى تحمل المصابين و..أحمد..
بكل الوجع والمرارة والعجز نهضت، اقتربت منه وهو ملقى على محفة والدماء تسيل منه فى غزارة، وروحه قد غادرت في سلام..
“إنا لله وإنا إليه راجعون”
هكذا رددت، وصبرت واحتسبت..انخلع قلبها وهى تنظر للسماء وكأنها تسأل:
“ابتلاءك يا الله قد تحملته، اجعلني مع ولدي فى الجنة، لقد مات شهيدا، وسأموت صابرة”
لم تكن متعلمة، لكنها استمعت إلى كثير من الشيوخ وعلمت أن الابتلاء ليس بالضرورة غضب من الله، قد يكون لمعرفة قوة الإيمان، وأنها ستجزى لصبرها، إن لم يكن فى الدنيا ففي الآخرة وكانت تريد الأخيرة وبشدة.
تمر الأعوام وهى صابرة على ما أصابها، حتى رآها الناس تجلس بجانب فطائرها تنظر إلى السماء وتبتسم وتمد يدها لتتناول عنقودا وهميا من العنب وتلتهمه في تلذذ وتهمس في حنان:
-ما ألذه يا أحمد!
ثم أسلمت الروح بعد أن لفظت بالشهادة..
رحلت فى سلام حيث وحيدها..
************************
أحس د.أشرف برعشة باردة بعد انتهاء حاج شناوي من الحكي، وتمتم في خفوت:
_الحمد لله
لمح من بعيد امرأة تحمل طفل صغير وهى تهرول إلى الوحدة الصحية وتصرخ:
_النجدة.ابنى يتوجع.
أسرع إليها د.أشرف وحمل الطفل وقال:
_اطمئني.سيكون بخير.أنا هنا.
ثم تبادل مع الحاج شناوي نظرة ذات مغزى.

تمت

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
رجوع
واتس اب
تيليجرام
ماسنجر
فايبر
اتصل الآن
Translate »
آخر الأخبار

أنت تستخدم إضافة Adblock

يجب عليك ايقافها لكي يظهر لك المحتوي