مقالات

بجيرانها تغلو الديار وترخص

بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله ذي الجلال والإكرام حي لا يموت قيوم لا ينام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك الحليم العظيم الملك العلام، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله سيد الأنام والداعي إلى دار السلام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، ثم أما بعد، لقد كان أصحاب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لهم صنائع وحرف، ومن أشهر مواقف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال ” قدم عبد الرحمن بن عوف، فآخي النبي صلي الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وعند الأنصاري امرأتان، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال بارك الله في أهلك ومالك، دلوني علي السوق، فأتي السوق فربح شيئا من أقط وشيئا من سمن، فرآه النبي صلي الله عليه وسلم بعد أيام وعليه وضر من صفرة.
فقال صلي الله عليه وسلم “مهيم يا عبد الرحمن” بمعني أن النبي صلي الله عليه وسلم يسأله عن أخبارة فقال تزوجت أنصارية، قال صلي الله عليه وسلم “فما سقت إليها” بمعني أي كم كان مهرها قال وزن نواة من ذهب، قال صلي الله عليه وسلم ” أولم ولو بشاة” أي بمعني أن يذبح لهذا العرس ويقيم وليمه حتي ولو بشاة واحده، وهكذا ضرب لنا الصحابة الكرام والنبي الكريم صلي الله عليه وسلم قبلهم المثل في العمل والكفاح والتوكل والإعتماد علي الله عز وجل، وذكر أن محمد بن الجهم عرض داره للبيع بخمسين ألف درهم، فلما حضر الشارون لشرائه قال لهم قد اتفقنا على ثمن الدار فبكم تشترون جوار سعيد بن العاص؟ فقيل له والجوار يباع؟ قال وكيف لا يباع جوار من إذا سألته أعطاك، وإن سكت عنه ابتدأك، وإن أسأت إليه أحسن إليك، فبلغ سعيد بن العاص فوجه بمائة ألف درهم.
وقال له أمسك دارك عليك، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه” ولقد شيّد رجل من المسلمين دارا كبيرة فسيحة، فجملها وأبهاها وحسنها، وبعد برهة من الزمن تعكرت حياته في تلك الدار، فعاف حسنها، وكره سكناها، وتمنى كل خلاص منها، فلما عرضها للبيع بأرخص الأثمان، وأبخس الأسعار، وتمت البيعة بسعر زهيد لامه الناس والعذال فأجابهم بقوله يلومونني أن بعت بالرخص منزلى، وما علموا جارا هناك ينغص، فقلت لهم كفوا الملام فإنها، بجيرانها تغلو الديار وترخص، وإن الجيران ثلاثة، فهم جار له ثلاثة حقوق، وجار له حقان، وجار له حق واحد، فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فهو الجار المسلم القريب، فإن له حق الإسلام وحق القرابة وحق الجوار، والجار الذي له حقان هو الجار المسلم.
فإن له حق الإسلام وحق الجوار، والجار الذي له حق واحد هو الكافر له حق الجوار فقط، ولقد كان السلف الصالح والكرام من الناس يعرفون قدر الجوار، ولا يؤثرون بالجار الصالح مالا ولا عرضا من الدنيا، وإن حقوق الجار كثيرة ومتعددة، وهي دائرة على ثلاثة حقوق كبرى، أحدها كف الأذى عن الجار، والثانى الإحسان إليه، والثالث الصبر على الأذى منه، فأما الإحسان إلى الجار فهو من أفضل الأعمال والقربات، كيف لا وهو سبب من أسباب نيل محبة الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم”إن أحببتم أن يحبكم الله ورسوله فأدوا إذا ائتمنتم، واصدقوا إذا حدثتم، وأحسنوا جوار من جاوركم ” رواه الطبرانى، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ما من عبد مسلم يموت فيشهد له ثلاثة أبيات من جيرانه الأدنين بخير،
إلا قال الله عز وجل ” قد قبلت شهادة عبادي على ما علموا، وغفرت له ما اعلم” رواه أحمد، فإن الإحسان إلى الجيران يشمل كافة وجوه الإحسان، ولو كان شيئا يسيرا أو حقيراً، لما له من أثر في تقريب النفوس وإزالة الأحقاد، وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاه ” وفرسن الشاه هو حافرها، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله، أي لا تحقرن أن تهدي إلى جارتها شيئا ولو أنها تهدي ما لا ينتفع به في الغالب.

مقالات ذات صلة

تابعنا على جوجل نيوز

قم بمتابعة موقعنا على جوجل نيوز للحصول على اخر الاخبار والمشاركات والتحديثات .. متابعة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
رجوع
واتس اب
تيليجرام
ماسنجر
فايبر
اتصل الآن
آخر الأخبار