مصرمقالات

الوطن الحبيب

الوطن الحبيب

بقلم / محمـــد الدكـــروري

لقد استمرت الدعوة إلى الإسلام في مكة مدة عشر سنوات، تخللها الكثير من الأحداث والإيذاء من كفار قريش، أدت إلى هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة، وكما هاجر المسلمون إلى المدينة المنورة حفاظا على دينهم وأنفسهم، ولإقامة وطن آمن يعيشون فيه وفق أصول الدعوة، وكان أبو سلمة وعائلته أول من هاجر، وتبعه صهيب بعد أن تنازل عن كل ما يملك من مال لقريش في سبيل توحيد الله عز وجل والهجرة في سبيله، وهكذا تبع المسلمون بعضهم البعض في الهجرة حتى كادت مكة أن تصبح خالية من المسلمين، مما أدى بقريش إلى الخوف على نفسها من عواقب هجرة المسلمين، فاجتمع نفر منها في دار الندوة بحثا عن طريقة للتخلص بها من رسول الله صلي الله عليه وسلم وانتهى بهم الأمر إلى أن يأخذوا من كل قبيلة شابا ويضربون الرسول ضربة رجل واحد.

ليتفرق دمه بين القبائل ولا يستطيع بنو هاشم على الثأر منهم، وإن الوطن هو الأمن والأمان وهو الاستقرار والأساس الذي يحيا لأجله الإنسان لأنه الكيان الذي يحتويه، ولذلك يعتبر حب الوطن من الإيمان بوجوده، فحبه شيء نابع من القلب والوجدان، وهو شيء لا يمكن تزييفه أو ادعاءه لأنه يأتي بالفطرة السليمة، فكل إنسان وحيوان وطائر يحن لوطنه مهما حل أو ارتحل، لذلك يعتبر الوطن من المقدسات في ضمير جميع الأحياء، ومن يتنازل عن حقه في حب الوطن يكون كمن يتنازل عن نظر عينيه، لأن الوطن هو من يصنع لأبنائه وجودهم وهو الذي يجعل للإنسان قيمة، فحب الوطن ليس مجرد كلمات تقال أو شعارات ترفع، ولا هو حطابات رنانة تشعل الروح الحماسية ويهتف بها الشعب، بل هو فعل قبل القول وترجمة على أرض الواقع.

فحب الوطن يكون بالدفاع عنه لأخر رمق، والوقوف إلى جانب قضاياه في الحرب والسلم، ودحر كل غاصب يحاول أن يعتدي عليه، كما أن حب الوطن يكون بأن نحافظ على جميع مقدراته من السلب والنهب، وأن نحمي تاريخه الماضي وأن نحرس حاضره وأن نرعى مستقبله ومستقبل أبنائه، فالوطن لا يريد من أبناء شعبه أن يكتبوا اسمه ويعلقوه تميمة في صدورهم، بل يُريد منهم أن يبقى الأولوية في حياتهم في كل شيء، وأن يكون العطاء له غير محدود أبدا، ومهما قست الظروف يبقى الوطن حنونا وادعا، حتى أن القلب لا يشعر بالراحة والسكينة إلا فيه، فهو شيء متعلق بالروح قبل الجسد، وحبه يسري في العروق مع الدماء، ويكون حب الوطن بأن يجد أبناءه ويجتهدوا ويصنعوا لنفسهم مكانة بين باقي الشعوب، لأن الوطن مثل الأم الحنون التي تفتخر بإنجاز أبنائها.

وكلما أعطى الأبناء أكثر، زادهم الوطن أكثر فأكثر، فهو في الولادة يمنحك اسمه وانتماءه وعاطفته، وفي الحياة يمنحك الأهل والبيت والسكن والتعليم، وفي الموت يحتوي أبناءه بترابه ويضمهم إليه إلى أن يشاء الله، لذلك يلتصق الوطن بكل ما يخص أبناءه من المهد إلى اللحد، ولطالما تغنى الشعراء والأدباء بالوطن، ولطالما قيلت فيه أعذب القصائد والحكم والتوصيات، لكن مهما قيل فيه، تبقى الأبجدية مقصرة في وصفه، فلا أحد أبدا يستطيع أن يصف جنته ويوفيها حقها، لذلك فليكن الوطن دوما في القلب والوجدان، فإن الوطن هو بضع أحرف تكون كلمة صغيرة في حجمها، ولكنها كبيرة في المعنى فالوطن هو بمثابة الأم والأسرة، وهو الحضن الدافئ لكل مواطن على أرضه، وهو المكان الذي نترعرع على أرضه، ونأكل من ثماره ومن خيراته.

 

 

الوطن الحبيب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
رجوع
واتس اب
تيليجرام
ماسنجر
فايبر
اتصل الآن
Translate »
آخر الأخبار

أنت تستخدم إضافة Adblock

يجب عليك ايقافها لكي يظهر لك المحتوي