أدب

الهالة

محمد سعد شاهين

الهالة

قصة: محمد سعد شاهين

الهالة

كنا قد أتممنا صلاة الجمعة ، و لم نكد ننتهى حتى حلق الجميع حول رجل ممتليء البنية، يبدو عليه الوقار والهيبة، يبتسم للجميع دون استثناء ابتسامة هادئة بلاستيكية، يطلق يده ليلثمها محبيه فى مبالغة واضحة وكلما لثموها زاد بريق وجهه وكأنه ينتشي بالفعل، كنت أول مرة أراه ؛ فأنا حديث التواجد فى تلك القرية الصغيرة بعد أن انتقلت وأسرتي إليها ، سألت رجلا كان يصلي بجانبي عنه فأخبرني أنه الحاج (راضي) وصمت..

مقالات ذات صلة

_ ومن هو الحاج (راضي)؟

_ألا تعلم من هو؟! هو من يملك كل المفاتيح التى تريدها فى حياتك، هل تريد وظيفة؟ هل تريد مالا؟ هل تريد طعاما؟ كل ذلك لديه، يملك من النفوذ والمال ما يمتد بطول نهر النيل وعمقه.

قالها ثم تركنى لينال بركة تقبيل يد الحاج (راضي)!

غادرت المسجد وخرجت أشم رائحة البيوت وروث البهائم، وألمح السماء رمادية تنبىء بالمطر، كلمات الرجل تدوي فى رأسي حتى وصلت لمنزلى الذى استأجرته حديثا، استقبلتني زوجتي وهى تلمح نظرات خاوية تملأ عيناي وشرود يعصف بذهني، سألتني في توتر:

_ ماذا دهاك؟

أجبتها شارد الذهن:

_الحاج (راضى)

ثم قلت متحمسا:

_أنت تعلمين أننا تركنا حياتنا في المدينة بعد أزمتنا المالية وبيع شقتنا من أجل زواج ابنتك وشراء احتياجاتها وما زال هناك الكثيرلإنجازه فى هذا الشأن.

تمتمت في حيرة:

_وما علاقة الحاج راضى هذا بزواج ابنتنا؟

أجبتها بنفس الحماس:

_يبدو أنه رجل طيب، يساعد الآخرين، ويقدم لهم العون، لما لا نطلب منه مساعدتنا بمبلغ مالي ثم نسدد له المبلغ على أقساط قليلة تناسب دخلنا المالي المتدني.

كانت الفكرة قد اختمرت في عقلي، واتجهت لأداء صلاة العشاء في نفس المسجد، كنت أعلم أنه هناك يتحلق حوله الجميع يرددون عبارات التملق على مسامعه ، اقتربت منه في تردد، نظر إلي فى حيرة وكأنه يسألني”من أنت”، رسمت ابتسامة على وجهي وأنا أقول في خفوت:

_السلام عليكم يا حاج راضي.

كانت حواسه كلها قد انتبهت لى وترك الجمع الغفير وقال فى هدوء :

_وعليكم السلام، أظن أنك غريب عن القرية.

_أنا(عابد عبد الصمد)، موظف بالتأمينات الاجتماعية، انتقلت هنا بعد اضطراري لبيع شقتى فى المدينة لتسديد احتياجات زواج ابنتي الكبرى، ولم يتبقى لى سوى مبلغ قليل بالكاد جعلنى استأجر مكانا هنا.

هز رأسه وقد أدرك مغزى كلماتي:

_لا حول ولا قوة إلا بالله. زواج الفتيات يجعل الأب وكأنه فى دوامة لا يعلم مداها إلا الله.

صمت قليلا ثم استأذن ممن حوله وهب واقفا وهو يمسك بيدى لأخرج معه خارج المسجد، سرنا بين الحقول ورائحة الروث مازالت تغطى كل الروائح، كان صامتا يفكر وأنا لا أتفوه بحرف واحد.

وقف فجأة ثم قال:_ماذا يلزمك يا أستاذ (عابد) لتمر من أزمتك وتنهى احتياجات الزواج؟

كان السؤال مباغتا للغاية، صمت فترة وأنا أحاول أن أتحدث، وبالرغم من أن ذلك ما أبتغيه ولكنى شعرت بالحرج الشديد، وأحسست بأن هناك نهرا من الماء البارد قد انهمر فوقي.

تمتمت في خفوت:

_مبلغ مالى سوف أسدده لك على دفعات شهرية، وسوف أقوم بالإمضاء على أية أوراق لضمان حقوقك.

قهقه وهو يهتف:

_ دفعات! أوراق! أنت لا تعلم من هو الحاج راضي إذن!

تغيرت لهجته تماما واقترب قائلا:

_أنا أقدم الخير من أجل الله ولاأنتظرمنك شيئا.

تفحصته وقد حيرني رده، كان قد أغمض عينيه وبدأ فى ترديد أدعية مبهمة وهو يقلب سبحته الفضية فى خشوع.

_انتظرني غدا يا أستاذ عابد في منزلك.

_أنت لا تعلم أين هو.

قهقه ثانية وهتف:

_سأعلم.

ثم ربت على كتفي وتركني حائرا، أسير إلى منزلي وأفكر في صواب ما فعلته، لم يغمض لي جفن طوال الليل وأنا أنتظر قدومه، وأتساءل عن كرمه وعطائه لي، هل حياة المدينة جعلتني أفقد الثقة فى كرم الآخرين؟ ربما هذه هى أخلاق القرية التى سمعت عنها فى حكايات الدراما!

قبيل أذان الظهركان هناك مايردد اسمى بإلحاح، نظرت من شرفة منزلي لأجد جمعا غفيرا أسفله، هرولت خارج المنزل وبدأت أدرك ما فعلته بنفسي.

كان الحاج راضي أمامى مبتسما وبجانبه سيارة تحمل بعض الأجهزة المنزلية، ويتجمع حولها أهل القرية من رجال وأطفال وحتى النساء تزغرد في صوت عال، ولمحت شبابا يلتقطون الصور بهواتفهم ليوثقون اللحظة.

شعرت بالعري والنظرات تخترقني في انتهاك مباح، زوجتي تخفى نفسها خلفي ودموعها تنهمر فى ألم، همست في خفوت:

_ألم أطلب منك يا حاج راضى مبلغا فقط وعلى سبيل الدين؟

كان يبتسم ويهتف ويتعمد أن يصل صوته للجميع:

_ زواج ابنتك سيتم فى أسرع وقت، لا تقلق يا أستاذ عابد

نظرت له وقد تفهمت الموقف كله، لا أعلم لماذا تذكرت صديقى الذى كان يصلي أمام الناس متعمدا،علمت لماذا أصبح هو الحاج راضي الذى يتردد اسمه في كل مكان، اقتربت منه مرة أخرى وقلت:

_قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غنى حليم.

بهت لترديدى تلك الآية واتسعت عيناه وأنا أردف فى صوت جهور:

_شكرا للحاج راضي، ولكنى لاأريد شيئا منه تماما

ساد الصمت تماما، ثم سرت همهمة غاضبة من البعض، فابتسم الحاج فى سخرية وأشار للسيارة لتعود من حيث أتت وهو يقول :

_أنت غبي.

نظرت لزوجتى التى استعادت كرامتها وجففت دموعها، وهتفت:

_ولكني لست مريضا بمرضك.سواء ما فعلته من أجل الشهرة أو منصب تحلم به..أنت مريض في كل حال.

انفض الجمع، والكل ينظر لى متأملا..

كانت النظرات متباينة ما بين الإعجاب والاحتقاروالدهشة، ولكنى كنت سعيدا لرفضي هذا الكرم الاستعراضي..

الزائف.

الهالة
الهالة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
رجوع
واتس اب
تيليجرام
ماسنجر
فايبر
اتصل الآن
Translate »
آخر الأخبار

أنت تستخدم إضافة Adblock

يجب عليك ايقافها لكي يظهر لك المحتوي