مقالات

الصديق المسرف التائب

بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : الأحد الموافق 7 يوليو 2024
الحمد لله الذي جعل لنا الصوم حصنا لأهل الإيمان والجنة، وأحمد سبحانه وتعالى وأشكره، بأن من على عباده بموسم الخيرات فأعظم المنة ورد عنهم كيد الشيطان وخيب ظنه، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، شهادة تؤدي لرضوانه والجنة، ثم أما بعد أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يصلح قلوبنا، وأن يزينها بالإيمان، وأن ينيرها بالعلم النافع والعمل الصالح، وأن يحفظنا وإياكم من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، فإن الله سبحانه وتعالي لا ينظر إلى صوركم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فالقلب هو محل نظر الله من العبد، وهو الذي إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وهو محل معرفة الله ومحبّته، وخشيته وخوفه ورجائه، ومحل النية التي بها تصلح الأعمال وتقبل، أو ترد وتبطل.
فقال صلى الله عليه وسلم”إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى” فهذا منصور ابن عمار يقول كان لي صديق مسرفا على نفسه، ثم تاب، وكنت أراه كثير العبادة والتهجد، ففقدته أياما، فقيل لي هو مريض، فأتيت إلى داره، فخرجت إلي ابنته، فقالت من تريد؟ قلت قولي لأبيك فلان، فاستأذنت لي، ثم دخلت، فوجدته في وسط الدار وهو مضطجع على فراشه، وقد اسود وجهه، وذرفت عيناه، وغلظت شفتاه، فقلت له وأنا خائف منه يا أخي، أكثر من قول لا إله إلا الله، ففتح عينيه فنظر إلى بشدة ثم أغمي عليه، ثم أفاق، فقلت له ثانية أكثر من قول لا إله إلا الله، ثم قلتها له ثالثة، ففتح عينيه وقال يا أخي منصور هذه كلمة قد حيل بيني وبينها، فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قلت يا أخي، أين تلك الصلاة؟ أين ذلك الصيام؟ أين التهجد والقيام؟
فقال كان كل ذلك لغير الله، وكانت توبتي كاذبة، إنما كنت أفعل ذلك ليقال عني، وأذكر به وكنت أفعل ذلك رياء للناس، فأبى الله إلا أن يطرحه، قال فكنت إذا خلوت بنفسي أغلقت الأبواب، وأسدلت الستور، وشربت الخمور، وبارزت ربي بالمعاصي، ودمت على تلك مدة من الزمان، فأصابني مرض، وأشرفت على الهلاك، فقلت لابنتي هذه ناوليني المصحف وأخرجوني إلى وسط الدار في الفناء، قال فأخذوني إلى وسط الدار في الفناء، ومعي المصحف، فنظرت فيه وقرأت فيه، فقلت اللهم بحق كلامك هذا في هذا القرآن العظيم إلا شفيتني، وأنا أعاهدك ألا أعود إلى الذنب مرة ثانية، ففرج الله عني، فلما شفيت عدت إلى ما كنت عليه من المعاصي والذنوب، وأنساني الشيطان العهد الذي بيني وبين ربي، فبقيت على ذلك مدة من الزمن، في شهوات ولذات ومعاصي.
أحارب رب الأرض والسماوات، فمرضت مرة ثانية مرضا شديدا، أشرفت فيه على الموت، فأمرت أهلي وقلت أخرجوني إلى فناء الدار، وجيئوني بالمصحف، أفعل كما فعلت في المرة الأولى، فقرأت القرآن ثم رفعته إلى صدري وقلت اللهم بحرمة هذا المصحف الكريم وكلامك إلا ما فرجت عني، قال فاستجاب الله، لي وفرج عني، وعاهدت الله ألا أرجع إلى الذنب والعصيان مرة ثانية، لكني عدت وتناسيت وتغافلت، فوقعت في هذا المرض الذي تراني فيه الآن، فأمرت أهلي فأخرجوني إلى وسط الدار كعادتي وكما تراني، ثم قلت لهم ائتوني بالمصحف لأقرأ فيه، فلما فتحت المصحف في هذه المرة، لم أر حرفا واحدا من كلامه فعلمت أن جبار السماوات والأرضين قد غضب علي، كم عاهدته وكم تبت وكذبت في توبتي، وكم وكم أمهلني وأعطاني من الفرص الواحدة تلو الأخرى.
فعلمت أنه سبحانه قد غضب علي، فرفعت رأسي إلى السماء، وقلت اللهم فرج عني، يا جبار الأرض والسماء، فسمعت كأن هاتفا يقول تتوب عن الذنوب إذا مرضت، وترجع للذنوب إذا برئت، فكم من كربة نجاك منها، وكم كشف البلاء إذا بليت، أما تخشى بأن تأتي المنايا، وأنت على الخطايا قد دهمت، فقال منصور بن عمار فو الله ما خرجت من عنده إلا وعيني تسكب العبرات، فما وصلت الباب إلا وقيل لي إنه قد مات.

مقالات ذات صلة

تابعنا على جوجل نيوز

قم بمتابعة موقعنا على جوجل نيوز للحصول على اخر الاخبار والمشاركات والتحديثات .. متابعة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
رجوع
واتس اب
تيليجرام
ماسنجر
فايبر
اتصل الآن
آخر الأخبار