دنيا ودينمصر

الرفق في التعامل مع الناس

بقلم/ محمـــد الدكـــرور

إن من سماحة الشريعة الإسلامية هو الرفق في التعامل مع الناس، حيث قال العلامة ابن القيم رحمه الله، أن مُلاطفة الخلق، وهي معاملتهم بما يحب أن يعاملوه به من اللطف، ولا يعاملهم بالعنف والشدة والغلظة، فإن ذلك ينفرهم عنه، ويغريهم به، ويفسدهم عليه قلبه وحاله مع الله ووقته، فليس للقلب أنفع من معاملة الناس باللطف، فإن معاملة الناس بذلك، إما أجنبي فتكسب مودته ومحبته، وإما صاحب وحبيب فتستديم صحبته ومودته، وإما عدو ومُبغض فتطفئ بلطفك جمرته وتستكفي شره، وكذلك عدم مؤاخذة الغضبان بما يصدر منه، وقد قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله، أنه متى رأيت صاحبك قد غضب، وأخذ يتكلم بما لا يصلح، فلا ينبغي أن تعقد على ما يقوله خنصرا، ولا أن تؤاخذه به، فإن حاله حال السكران، لا يدري ما يقول، بل اصبر لفورته، ولا تعول عليها.

فإن الشيطان قد غلبه، والطبع قد هاج، والعقل قد استتر، ومتى أخذت في نفسك عليه، أو أجبته بمقتضى فعله كنت كعاقل واجه مجنونا، أو كمفيق عاتب مغمى عليه، فالذنب لك، بل انظر بعين الرحمة، وتلمح تصريف القدر له، وتفرج في لعب الطبع به، واعلم أنه إذا انتبه ندم على ما جرى، وعرف لك فضل الصبر، ومتى سمعت منه كلمة قذعة فاجعل جوابها كلمة جميلة، فهي أقوى في كفّ لسانه، فإن لم تطق فهجر جميل، وإن عدوك إن بالغ في السب فبالغ في الصفح، تنب عنك العوام في شتمه، ويحمدك العلماء على حلمك، وإنما يقع هذا، ممن يري أن تسليطه عليه، إما عقوبة على ذنب، أو رفع درجة بالابتلاء، فهو لا يري الخصم وإنما يري القدرة، وقد روي عن بعض السلف أن رجلا شتمه فوضع خده على الأرض، وقال اللهم اغفر لي الذنب الذي سلطت هذا به عليّ.

وكذلك كتم أسراره عنهم، فقد قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله أكثر الناس لا يتمالكون من إفشاء سرهم، فإذا ظهر، عاتبوا من أخبروا به، فواعجبا كيف ضاقوا بحبسه ذرعا، ثم لاموا من أفشاه، وفي الحديث “استعينوا على قضاء أموركم بالكتمان” فإن قال قائل إنما أحدّث من أثق به، قيل له وكل حديث جاوز الاثنين شائع، وربما لم يكتم صديقك، والرجل الحزم الذي لا يتعداه سره، ولا يفشيه إلى أحد، وستر المصائب من جملة كتمان السر، لأن إظهارها يسرّ الشامت، ويؤلم المُحب، وكذلك العفو عنهم، حيث قال العلامة ابن القيم رحمه الله، أن العفو من المخلوق ظاهره ضيم وذل، وباطنه عز ومهابة، والانتقام ظاهره عز، وباطنه ذل، فما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ولا انتقم أحد لنفسه إلا ذل، ولو لم يكن إلا بفوات عز العفو.

ولهذا ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط، والعفو من أخلاق النفس المطمئنة، والذل من أخلاق الأمارة، وكذلك عدم إظهار العداوة لمن أظهر عداوته منهم، حيث قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله، مما أفادتني تجارب الزمان، أنه لا ينبغي لأحد أن يظاهر بالعداوة أحدا، ما استطاع، فإنه ربما يحتاج إليه، مهما كانت منزلته، واعلم أن المظاهرة بالعداوة، قد تجلب أذى من حيث لا يعلم، لأن المظاهر بالعداوة، كشاهر السيف ينتظر مضربا، وقال رحمه الله وإذا أبغضت شخصا، لأنه يسوءك، فلا تظهرن ذلك، فإنك تنبهه على أخذ الحذر منك، وتدعوه للمبارزة، فيبالغ في حربك، والاحتيال عليك، بل ينبغي أن تظهر له الجميل، إن قدرت، وتبره ما استطعت، حتى تنكسر معاداته، بالحياء من بغضك.

الرفق في التعامل مع الناس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
رجوع
واتس اب
تيليجرام
ماسنجر
فايبر
اتصل الآن
Translate »
آخر الأخبار

أنت تستخدم إضافة Adblock

يجب عليك ايقافها لكي يظهر لك المحتوي