مقالات

الحياء في أصول الفقه بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحياء في أصول الفقه
بقلم / محمـــد الدكـــروريالحياء في أصول الفقه
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : السبت الموافق 10 فبراير

الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وسبحانه أكبره تكبيرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته الطيبين، وخلفائه والتابعين له بإحسان له إلى يوم الدين، أما بعد خطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات مرة فعرض لغلاء المهور فقالت له امرأة أيعطينا الله وتمنعنا يا عمر ألم يقل الله ” وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا” فلم يمنعها الحياء أن تدافع عن حق نسائها ولم يمنع عمر رضي الله عنه أن يقول معتذرا كل الناس أفقه منك يا عمر، وقال مرة في المسلمين وعليه ثوبان فأمر بالسمع والطاعة فنطق أحد المسلمين قائلا فلا سمع ولا طاعة يا عمر عليك ثوبان وعلينا ثوب واحد فنادى عمر بأعلى صوته يا عبد الله ابن عمر فأجابه ولده لبيك أبتاه.

فقال له أنشدك الله أليس أحد ثوبي هو ثوبك أعطيتنيه ؟ قال بلى والله فقال الرجل الآن نسمع ونطيع فانظر كيف لم يمنع الحياء الرجل أن يقول ولا عمر رضي الله عنه أن يعترف، وروى شعبة عن منصور بن ربعي عن أبي منصور البدري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى يا ابن آدم إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ” وليس هذا القول إغراء بفعل المعاصي عن قلة الحياء كما توهمه بعض من جهل معاني الكلام ومواضعات الخطاب واختلف أهل العلم في معنى هذا الخبر فقال أبوبكر بن محمد الشاشي في أصول الفقه معنى هذا الحديث أن من لم يستحي دعاه ترك الحياء إلى أن يعمل ما يشاء لا يردعه عنه رادع فليستحي المرء فإن الحياء يردعه.

وقال أبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة أن المعنى فيه إذا عرضت عليك أفعالك التي هممت بفعلها فلم تستحي منها لحسنها وجمالها فاصنع ما شئت منها فجعل الحياء حكما على أفعاله وكلا القولين حسن والأول أشبه لأن الكلام خرج عن النبي صلى الله عليه وسلم مخرج الذم لا مخرج المدح ولكن قد جاء حديث بما يضاهي الثاني وهو قوله صلى الله عليه وسلم ” ما أحببت أن تسمعه أذناك فائته وما كرهت أن تسمعه أذناك فاجتنبه ” وقال أبو الحسن الماوردي في كتابه ” أدب الدنيا والدين ” الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه أحدها حياؤه من الله تعالى، والثاني حياؤه من الناس، والثالث حياؤه من نفسه، فأما حياؤه من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره.

وروى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” استحيوا من الله عز وجل حق الحياء” فقيل يا رسول الله فكيف نستحي من الله عز وجل حق الحياء ؟ قال صلي الله عليه وسلم من حفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وترك زينة الحياة الدنيا وذكر الموت والبلى فقد استحيا من الله عز وجل حق الحياء ” وهذا الحديث من أبلغ الوصايا، ويقول أبو الحسن الماوردي عن نفسه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ذات ليلة فقلت يا رسول الله أوصني فقال صلي الله عليه وسلم “استحي من الله عز وجل حق الحياء” ثم قال تغير الناس، قلت وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال كنت أنظر إلى الصبي فأرى من وجهه البشر والحياء وأنا أنظر إليه اليوم فلا أرى ذلك في وجهه”

وأما حياؤه من الناس فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ” من تقوى الله اتقاء الناس ” وروى أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أتى الجمعة فوجد الناس قد انصرفوا فتنكب الطريق عن الناس وقال لا خير فيمن لا يستحي من الناس، وأما حياؤه من نفسه فيكون بالعفة وصيانة الخلوات، وقال بعض الحكماء ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحيائك من غيرك وقال بعض الأدباء من عمل في السر عملا يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
رجوع
واتس اب
تيليجرام
ماسنجر
فايبر
اتصل الآن
آخر الأخبار

أنت تستخدم إضافة Adblock

يجب عليك ايقافها لكي يظهر لك المحتوي