مقالات

الإدارة بالضمير

الإدارة بالضمير 

أ.د.فاطمة الزهراء سالم محمود

أستاذ أصول التربية والسياسات التعليمية 

كلية التربية -جامعة عين شمس

 

    منذ عشرات السنين نسمع دوماً عن كلمة ” مفيش ضمير” بمعنى أنه عندما لا توجد رقابة داخلية على المرء أو المؤسسة ككل يفعل الأشخاص ما يشاءون، ولا يتقنون صنائعهم نتيجة غياب الضمير.

فماذا تعنى كلمة الضمير ؟ 

يراه الفلاسفة الصوت الداخلى للإنسان الذى يجعله يتصرف على نحو أخلاقى، ويراه علماء النفس ؛الوعى الداخلى الذى يحكم الهُو أو الذات ،ويكبح جماح شهوات الإنسان ،ورغبته فى الخروج عن السياق الأخلاقى، كما يتحكم فى مستوى طموحاته التى قد تصل به إلى مرتبة الغرور والتكبر مع عدم امتلاك المهارات والقدرات المطلوبة لذلك .

ويراه علماء الإدارة الرقابة الداخلية والخارجية على العمل والمنتجات، وجودة الأداء، ويراه علماء الإجتماع الإهتمام المشترك بين جموع الناس الذى يشكل الضمير الجمعى والذى بدوره لا يتكون بدون هدف مشترك لمصلحة المجموع والتنمية والتقدم السامى .

ومن ثم فكلمة الضمير فى مضمونها تحث الإنسان على الرقابة الذاتية المستمرة على أفعاله، والمحاسبة الدورية لقراراته وإنجازاته، وأداءه الذى يعد ركن ركين فى أداء الكل أو المجموع أو المؤسسة ،والبناء الذى يعمل به.

ونسمع كثيراً عن نمط الإدارة بالحب أو المشاعر ، ومع أهمية هذا النمط من الإدارة إلا أن مجرد ذكر إسمه لدى العديد من الموظفين أو العاملين فى مؤسسات يأتى بمعنى السخرية ، ويتبادر للذهن أشياء غير محبوبة مثل المحسوبية ،والمحاباة ،وتفضيل غير ذوى الجدارات لإقترابهم من القيادات والسلطة بشكل أو بآخر على غيرهم من ذوى الجدارة، بل وطمس ذوى الجدارة والعلم والمعرفة ، وأصحاب المصلحة العامة لصالح ذوى المصلحة الخاصة، والإستغلال السئ للسلطة ، والمنصب الذى اعتلاه الفرد . 

ومن هنا تأتى الحاجة الملحة ،والضرورية للإدارة بالضمير بمعنى تربية الصوت الداخلى فينا، وأن العمل لا يمكن أن ينجز دون مراعاة الدقة والإتقان والإخلاص للكيان الذى نعمل به، وإعطاءه أفضل ما لدينا ، وليس التظاهر بالعمل، والإهتمام بالتقاط الصور أو إقامة الحفلات والعمل المؤسسى به نقائص، أو خلق التبريرات من مثل الأمراض والسفر لأداء المناسك فى أوقات الرقابة الخارجية أو اختلاق حالات الوفاة من أجل خلق نوع من التعاطف مع المسئولين للتهرب من المحاسبية ،وأعمال الفساد الإدارى بالمؤسسة لإخفاء حقائق النقص الإدارى جمة أهمها ،وأجلها انعدام الضمير الفردى والجمعى.

الإدارة بالضمير تعنى أن يخلص العامل والموظف والمسئول من أجل المصلحة العامة، وفى كل وقت دون

تزيد أو مزايدة أو تزيين أو إدعاء واقع غير موجود بالتقاط مظاهر تقدم ورفاهية وخدمات على مستوى افتراضى وليس واقعى .  

فالإدارة بالضمير تبدأ من القيادات العليا ،والمسئولين قدوة المؤسسات والمجتمع الذى يقتدى بهم من يليهم حتى يستقم مجتمع العمل على نحو متناسق ومتناغم دون زيف أو خداع أو خلل أو نفاق أو مراء أو طمس للآخرين من ذوى الضمائر الحية .

وعندما يضيع الهدف داخل أى مؤسسة أو كيان أو مجتمع تثبط الهمم، وتتخبط القرارات ، ويدخل ذوى الضمائر المنخفضة أو المعدومة لإعلاء أهوائهم ومصالحهم الشخصية من أجل تخريب كل شئ، وزعزعة الضمير الجمعى للكيان أو المؤسسة أو مجتمع العمل، ومن ثم يحققون أهدافهم الضمنية بشكل سريع ومتنامى فى تشتيت الكيان المؤسسى ومجتمع العمل ،وتثبيط هممهم ناصية أسوأ أداء متوقع أو الإهتمام بالأمور السطحية والمظاهر الشكلية دون الإنتاج والعمل الحقيقى والتأثير فى الآخرين والإبداع العلمى، وتكوين الحضارة الإنسانية . 

  نعم الحضارة ترتبط بتكوين وبزوغ الضمير الإنسانى ، فلا حضارة تبنى بدون إدارة للضمير وإدارة بالضمير ، فالأولى تربية الذات الإنسانية على الأخلاق الرفيعة والإخلاص فى العمل، والثانية تكوين الوعى الجمعى والضمير الجمعى لتحقيق مصلحة الأمة أو المجتمع أو الكيان دون فساد أو إفساد أو مصالح شخصية.

وفى تقديرى أن هذا ما نحتاج إليه بقوة أكثر من أى وقت مضى الإدارة بالضمير ،وليس فقط الإدارة أو الإدارة بالحب . 

                                                                                   Fsalem721@yahoo.com

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
رجوع
واتس اب
تيليجرام
ماسنجر
فايبر
اتصل الآن
Translate »
آخر الأخبار

أنت تستخدم إضافة Adblock

يجب عليك ايقافها لكي يظهر لك المحتوي