اخبار مصر

الأصول التاريخية للشائعات الجزء الثاني

بقلم د فايزة ملوك

1- العصر الإسلامي:
وقد وفرت ظروف الحرب عبر التاريخ مناخاً ملائماً للشائعات لما تحظى به الحرب و أخبارها من أهمية لدى الشعوب وما يصاحب تحركات الجيش سواء الوطنية أو جيوش العدو من غموض متعمد.
يشهد عصر الإسلام بعديد من الأمثلة للشائعات التي كانت جزء من حرب نفسية شنها المشركون وأعداء الإسلام أنذاك مثلما حدث في غزوه أحد عام ثلاثه ه 625 م عندما أشاع أبو سفيأن بن حرب أن الرسول ( ص ) قد قتل في المعركة وما أن بلغ الخبر جموع المحاربين المسلمين حتى أنهارت معنويات الكثير منهم وألقوا أسلحتهم فما كان من رسول الله ( ص ) إلا أن صعد الجبل مناديا الى يا فلأن الى يا فلأن أنا رسول الله
وعلى الرغم من عدم لجوء الرسول صاد للشائعات فأنه كان يدرك أهمية العامل النفسي في الحرب فمع الإستعداد لفتح مكه أمر الرسول ( ص ) المسلمين أن يشعلوا عشرة ألاف شعلة من النار فيراها مشركوا مكة ، و يدركون أنه لا قبل لهم بمواجهة تلك الأعداد من المقاتلين.
والتاريخ قد يظلم شخصاً أو أمة احيأناً فيتعمد التعمية، وطمس الصفحات المشرقة من تاريخ المشاهير فيقلب الحقائق رأسا على عقب وينسب للشخص أو الكيان من السوء ما يسؤ ما يشوه جمال المسيرة الناصع و ما ذاك إلا لحسد أكل قلوبهم و حقد دفين تغلل في صدورهم، فأعمي البصائر عن الإعتراف بالحق ، بل و جرأهم علي الضلم و الجور ،وهذا ما حدث مع بهاء الدين قراقوش الذي تنسب له الأحكام الجائرة و الارتجالية التي لا تستند الي منطق و لا عقل ، و ما أكثر ماسمعنا عبارة ( هذا حكم قراقوش ) التي غالباً ما تطلق عند رؤية أو سماع تصرف ظالم أو غريب ، و قراقوش هذا الذي إفتري عليه التاريخ هو أحد قواد صلاح الدين الأيوبي ، و من أخلص أعوأنه، و أقربهم إليه ، كان جنديأً أميناً، و مهندساً حربياً بارعاً اذا تلقي أمراً أطاعه بلا معارضة أو تأجيل ، و إذا أمر جنوده أمراً لم يرض منهم بغير الطاعة الكاملة ، كان إعجوبة في أمانته، فقد أوكل له حراسه قصر الفاطميين في مصر بعد زوال ملكهم ، و كان يحوي من الكنوز و النفائس و العقود و الحلي النادره ما لا يحصيها العد ، فضلاً عن العرش الفاطمي الذي كان يحوى أرتالاً من الذهب ، و نوادر الياقوت و الجواهر ، إلي جانب الجواري الفاتنات ، فلم يفتنه الجمال ، و لا أغواه المال ، فما أخذ لنفسيه شيئًا ، و عندما وقع خلاف بين ورثة صلاح الدين بعد وفاة لم يصلح بينهم إلا قراقوش ، و لما مات الملك العزيز بن صلاح الدين الأيوبي أوصي بالملك لإبنه المنصور ذى التسع سنوات ،وجعل قراقوش وصيًا عليه ، فكان الحاكم العادل ، والأمير الحازم ،أصلح البلاد، وأرضى العباد ، وظل الحارس الأمين الذى لم يغويه الجاه و السلطان حتى سلم الملك الصغير ملك ابيه عندما كبر.
وقد وقع ظلم التاريخ لقراقوش نتيجة لرسالة الكاتب البارع الموظف فى ديوأن صلاح الدين المدعو ابن مماتى الذى اشتهر بطول اللسأن فى الباطل عندما قام بتشويه صورة قراقوش لكونه لم يهادنه فى خيأنته كما فعل الآخرون من العاملين معه فى الديوأن الذين كانوا يتملقونه بالود، و يدارونه إتقاءًا لشره ، بينما قراقوش لم يأبه لتهديداته ، ولا خاف شره لكنه لم يدرك فى خلده أن سن القلم أقوى من سنان الرماح فقام ابن مماتى بتأليف رسالة سماها “الفاشوش فى أحكام قراقوش ” فصدقها الناس ونسوا تاريخ الرجل الناصع إخلاصًا وأمأنة ، ومن هنا صار قراقوش فى نظر التاريخ حاكمًا أهوج لا يستند الى عقل أو منطق ومعلوم أن طعنة الرمح يشفى جريحها ، أما طعنة القلم فلا يبرأ ألمها ، ولا تنتهى بموت صاحبها رغم أنصاف بعض المؤرخين له من عماد الدين الأصفهاني الذى دافع عنه وعن جهوده فى خدمة الدولة
أيضاً الشائعات التى أدت الى الوقيعة بين السلطان قايتباى (المحمودى الأشرفى) (1468-1496) وبين أمراؤه المقربين مثل يشبك الدوادار ، ومحاولة إغتيال السلطان نفسه ، وبعض أمراؤه ، الجرم الذى أدين به أحد كبراهم ، وهو الأمير ازدمر الطويل ، والذى تجاوز عنها السلطان ، وأكتفى بحبسه فى أسيوط لولا أن الح الأمير يشبك فى قتله فكان ذلك
كما قويت الشائعات حول أن السلطان الملك الظاهر أبو سعيد قانصوه (1498-1500) قد أرسل بالقبض على الأمير طومأن باى الدوادار ( المسؤل عن تبليغ الرسائل للسلطأن ) وهو بالصعيد ، و كانت هذه الشائعة من أكبر أسباب الفساد فى زوال ملك هذا السلطان لكن استطاع السلطان أن يكذب هذه الشائعة باستخدام طومأن باى وإظهاره على الناس بالقاهرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
رجوع
واتس اب
تيليجرام
ماسنجر
فايبر
اتصل الآن
Translate »
آخر الأخبار

أنت تستخدم إضافة Adblock

يجب عليك ايقافها لكي يظهر لك المحتوي